اسماعيل بن محمد القونوي
4
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بل عما تنازع إليه النفس أي مالت إليه واشتاقت قال تعالى : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ [ مريم : 27 ] الآية والمراد به الإمساك عن التكلم والنطق مع اشتياق النفس إليه . قوله : ( وفي الشرع الإمساك عن المفطرات فإنها معظم ما تشتهيه الأنفس ) نقل من هذا العام إلى المخصوص وهو الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارا مع النية « 1 » وهي الأكل والشرب والجماع ولم يفعل لشهوته ولما فصل في محله الفقه قوله فإنها الخ بيان المناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه أي أنه من نقل اسم العام إلى بعض أفراده المشتهرة الكامل فيها المعنى الذي في المنقول عنه وهذا وإن لم يكن شرطا لكنه يزيد حسنا . قوله : ( المعاصي ) لعل هنا بمعنى كي أي لكن تتقوا المعاصي . قوله : ( فإن الصوم بكسر الشهوة التي هي مبدأها ) علة لمقدر أي وإنما علل وجوب الصوم بالاتقاء فإن الصوم الذي فرض عليكم بكسر الشهوة التي هي مبدأها أي المعاصي سواء كان شهوة البطن أو شهوة الفرج . قوله : ( كما قال عليه السّلام فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء ) تأييد لما ادعاه أنه يكسر الشهوة والحديث على ما في البخاري ومسلم رحمهما اللّه تعالى عن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه قال قال لنا رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإن له وجاء » فما قاله المصنف من أن الصوم له وجاء نقل بالمعنى والباءة النكاح وهي من المباءة بفتح الميم ومد الباء وهو المنزل لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا وقيل لأن الرجل لها إلى قضاء شهوتها في كل ما فيه لذتها الشهوية الطبيعية فإذا انسدت طرق هذه المفطرات انسدوا في طرق لذتها الحيوانية فالمقصود من شرعية الصوم تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة بقمع قواها الأبية عن أمر المطمئنة العاصية لها فحين انكسرت قواها التي هي مبدأ عصيانها وضعفت انقادت لها فيما أمرتها بما به نجاتها عن ظلمات الطبيعة ووصولها إلى جناب القدس ومخالطتها بالملأ الأعلى . قوله : تتقون المعاصي هذا تفسير للتقوى على كون تعلقه بمفعوله مرادا ويجوز أن يكون معناه لعلكم تصيرون من أهل التقوى فعلى هذا يكون منزلا منزلة اللازم حيث لا يراد تعلقه بالمفعول وفي الكشاف لعلكم تتقون بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها أو لعلكم تتقون المعاصي لأن الصائم اظلف لنفسه واردع لها من موافقة السوء ولعلكم تنتظمون في زمرة المتقين لأن الصوم شعارهم . قوله : فإن الصيام له وجاء قال رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » الباءة النكاح والتزوج قال صاحب النهاية الباءة النكاح والتزوج وهو المباة في المنزل لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا وقيل لأن الرجل يتبوأ من أهله أي يتمكن منها كما يتبوأ من منزله والوجاء نوع من الإخصاء وهو أن يرض عروق الأنثيين ويترك الخصيتان كما هما أي الصيام يقطع شهوة الجماع كما يقطعها الخصاء فالمعنى على التشبيه .
--> ( 1 ) وأيضا شرع من قبلنا شرع لنا فبيان أنه شرع من قبلكم بعد بيان كتبه عليهم توكيد الحكم .